|
وكانت سعادة الأم بختم ولدها القرآن بهذه السرعة المذهلة عظيمة ؛ مما جعلها
تفكر كثيرًا كيف توجه هذا الطفل الذكي نحو طريق النبوغ ، فأرسلته إلى بيت الله
الحرام ، وبدأ الفتى يستمع إلى علمائه الأفذاذ ، ولم يكن معه حينئذ ما يشترى به
ثمن الورق لكي يدون دروسه ، فأخذ يكتب على سعف النخيل وعظام أكتاف الإبل وجلود
الحيوانات ، وفى هذه الفترة المبكرة من طلبه للعلم، فطن "الشافعي" بذكائه إلى
أهمية دراسة اللغة العربية الفصحى من نبعها الصافي حتى يفهم كلام الله – تعالى
– وأحاديث رسوله
-صلى الله عليه و سلم-
،فذهب إلى قبيلة "هذيل" وكانت من أفصح العرب ، وظل يلازمهم سنين طويلة ، حتى
تعلم فصيح كلامهم ، وحفظ أشعارهم ، وسمع منهم سيرة العرب وأخبارهم في الجاهلية
والإسلام ،كما تعلم الفروسية والرمى، حتى أصبح فارسًا شجاعًا لا يبارى ورامًيا
ماهرًا بالنبل لا يخطئ هدفه إلا نادرًا .
ومرت السنون وعاد "الشافعي"
إلى بلده الحبيب "مكة" ، وما كاد يطفئ شوقه وحنينه بلقاء أمه حتى انطلق يكمل
مسيرته في طلب العلم بحماس كبير ، فاتجه إلى "مسلم بن خالد الزنجي" شيخ الحرم
المكي ، ومفتى "مكة" الكبير، ليكون أول أستاذ له في دراسة الفقه ، كما درس
الحديث النبوي الشريف على مُحدث الحرم المكي "سفيان بن عيينة" ، وخلال مدة
قليلة برز "الشافعي" كمفسر بارع ومحدث ثقة وفقيه نابغة مُلم بأصول الفقه ، حتى
إن شيخه "مسلم بن خالد" أذن له أن يفتى وهو ابن خمس عشرة سنة ، وهو يقول في فخر
واعتزاز: "أفتى يا محمد ، فقد آن لك – والله – أن تفتى . وكان شيخه "سفيان بن
عيينة" إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا يقول ، وهو يلتفت إلى تلميذه النجيب
: سلوا هذا الغلام .
وأثناء دراسة "الشافعي" بمكة سمع بعالم الدنيا وإمام "المدينة" "مالك بن أنس"
فرغب في التتلمذ عليه ، لكنه رأى بعقله الحاذق أن لا يذهب إلى ذلك العالم الفذ
وهو خالي الوفاض من علمه، فحفظ كتابه "الموطأ" خلال تسع ليال فقط . ثم
توجه
الفتى إلى بيت الإمام "مالك" بالمدينة ، وتحدث الشافعي في فصاحة وبلاغة وأدب مع
الإمام ، وأخبره برغبته في أن يكون تلميذًا له ، فأخذ الإمام ينظر طويلاً إلى
ذلك الفتى ، وهو يحكى قصته في طلب العلم، وكان للإمام فراسة عجيبة ، وبصيرة
نافذة ، ثم قال له :
يا بنى إنه سوف يكون لك شأن عظيم إن شاء الله ، فإذا جاء الغد تحضر إلى ، ومعك
من يقرأ لك كتاب "الموطأ"، فإني أخشى ألا تحسن قراءته، فرد "الشافعي" في أدب :
بل أنا اقرؤه عليك حفظًا دون كتاب يا إمام .
وظل "الشافعي" ملازمًا لشيخه، الإمام "مالك" مدة طويلة ، وكان الإمام يحبه
كثيرًا ، وفى عام (179 ﻫ) توفى الإمام "مالك" فعاد "الشافعي" إلى "مكة"، وهو
يحمل زادًا عظيمًا من العلم كان له أثر بالغ في حياته كلها ، وبعد أن استقر به
المقام في مكة تزوج من السيدة "حميدة بنت نافع" من أحفاد أمير المؤمنين "عثمان
بن عفان" – رضى الله عنه – وأنجب منها ولدين وبنتًا . |