|
فقال التاجر : لقد سمعت عنه
كثيرًا، لكنى لم أره إلا هذه المرة، وأخبرنى أحد تلاميذه أنه من
"عمان"، وأنه هاجر إلى "البصرة" وهو صغير مع أسرته، وتلقى تعليمه
بها .. أليس هذا صحيحًا ؟!
- هذا صحيح لقد تعلم فى بلدنا
على يد اثنين من كبار أئمة اللغة، هما: "عيسى بن عمر"، و"أبو
عمرو بن العلاء"، لكنه تفوق عليهما في العلم والذكاء والشهرة .
فقال التاجر: لكن هيئته لا
تتناسب مع مكانته وشهرته .. إنه يلبس ثوبًا بسيطًا، لا يتجاوز
ثمنه بضعة دراهم .. ورجل فى شهرته كان يجب أن تنهمر عليه عطايا
الخلفاء والملوك .
- إنه يا سيدى أبعد الناس عن
التكسب بعلمه، وتكوين ثروة من ورائه، وقد حاول بعض أصحاب الجاه
والسلطان أن يمدوه بشىء من المال، لكنه رفض فى عزة وإباء .
- فقال له التاجر : ومن أين
يعيش ؟
- إنه يعيش
على بستان يدر عليه دخلاً، يحفظ به كرامته،
ويساعده في الحياة، ويمكنه من التفرغ للتدريس والتأليف وإفادة
الطلاب .
وكان "الخليل بن أحمد" إذا مشى
فى السوق، ومر بين دروبها وطرقاتها لا يعبأ كثيرًا بضجيج السوق
ولا بطرقات العمال الذين يصنعون الأوانى والأدوات النحاسية ،
فعقله مشغول بما هو أهم من الالتفات إلى مثل هذه الأشياء، إنه
يسرع الخطى لكى يصل إلى حلقته بالمسجد، وليس هناك ما يمكن أن
يشغله عنها .. إن حياته محصورة بين العبادة والعمل .
ولم يكن له هم سوى وضع حلول لكثير من قضايا اللغة
العربية، التى وهب حياته من أجلها، فابتكر وسائل تساعد القارئ
على النطق السليم، فوضع رموزًا للفتحة والضمة والكسرة، كما وضع
رمزًا للهمزة ورمزًا
للشدة
على الهيئة التى نعرفها اليوم . |