|
عاش "أيوب" – عليه السلام – في سعادة وهناء، بين
قومه وأولاده ، ينعم بما حباه الله من نعيم وثراء، ويؤدى حق الله
في ماله للفقراء والمساكين , ولكن الأمور لم تستمر على هذا النحو
من السعادة والهناء ، فسرعان ما تغيرت الحال بنبي الله "أيوب"
وتبدلت حياته على نحو عجيب .
فقد ابتلاه الله- تعالى- في ماله وأهله وولده،
فذهب ماله ، وفقد أولاده، حتى لم يبق من ذلك كله إلا زوجته،
وأصابه المرض في كل أعضاء جسده، وطال مرضه حتى نفر الناس منه ،
وضاق به أهله ، فلم يعد يزوره أحد من أقاربه ، وخاف الناس من
مخالطته حتى لا يعديهم بمرضه ، ولم يعد أحد يحنو عليه سوى زوجته
التي ترعى له حقه .
ولما اشتد به المرض أخرجه الناس من بلده ، وألقوه
في مكان بعيد خارجه ، فكانت زوجته تتردد إليه , فتقوم على خدمته
، وتقضى حوائجه ، وتعينه على أموره , فقد كانت تلك الزوجة صورة
مشرقة للوفاء والإخلاص للزوج.
وظلت زوجة نبي الله "أيوب" تخدمه وترعاه ، ولا
تقصر في القيام بواجبها نحوه ، حتى ضعفت قوتها ، وهزل جسمها، وقل
مالها ، فباعت كل شيء ، حتى لم تعد تملك شيئًا تنفقه على زوجها
في مرضه , فكانت تخدم الناس بالأجر لتوفر لزوجها ما يحتاج إليه
من طعام ، وظلت صابرة على ما حل بها ، مؤمنة بقضاء الله ، واثقة
برحمته وعدله ، فلم تيأس يومًا ، ولم تسخط ، أو يتسرب الشك إلى
قلبها في لحظة من اللحظات .
وكان "أيوب" – عليه السلام- مؤمنًا صابرًا على
الرغم من مرضه ، وما ابتلاه الله به من فقر وحاجة ، ونفور الناس
منه ، وابتعادهم عنه ، وكان كل ذلك لا يزيده إلا إيمانًا وصبرًا
، وحمدًا، ودعاءً وشكرًا .
وكانت زوجته حينما تراه على هذه الحال ترق له ،
وتشفق عليه ، فلما طال عليه المرض قالت له : يا "أيوب" ، لو دعوت
ربك لفرج عنك . فقال لها "أيوب" – عليه السلام - بإيمان صادق
عميق :
- لقد عشت سبعين سنة صحيحًا ، فهل كثير لله أن
أصبر سبعين سنة ؟!
ومرت أعوام كثيرة و" أيوب" – عليه السلام – في
مرضه ، صابر محتسب ، وكانت زوجته المؤمنة الوفية تأتيه كل يوم
فتطعمه وتخدمه ، وترعى شئونه.
وزاد المرض على " أيوب " – عليه السلام – وخاف
الناس أن يصيبهم ما أصابه، فلم يعد أحد منهم يقبل أن تعمل زوجة "
أيوب " عنده أو تخدمه حتى لا تعديهم بمخالطته ، ولم تجد تلك
الزوجة الصابرة ما تنفقه ، فباعت إحدى ضفائرها لبعض بنات الأشراف
لتزين بها شعرها ، واشترت بثمنها طعامًا كثيرًا لزوجها ، فلما
جاءته به تعجب " أيوب " وسألها :
- من أين لك هذا ؟! وخشيت زوجته أن تضايقه بما
فعلت فقالت له :
خدمت به أناسًا .
ولكن " أيوب " – عليه السلام – كان يشعر أنها
تخفى عليه أمرًا ، فلم يلح عليها بالسؤال .
ومرت أيام، ولم تجد زوجة " أيوب " ما تشترى به
الطعام لزوجها ، فباعت الضفيرة الأخرى ، واشترت طعامًا ، فلما
أتت إلى " أيوب " – عليه السلام – سألها عنه ، وحلف ألا يأكل
شيئًا منه حتى تخبره من أين جاءت به ؟!
ولم تجد تلك الزوجة المؤمنة ما ترد به على زوجها
، فكشفت خمارها عن رأسها، فلما رأى ما فعلت بشعرها ، نظر إليها
نظرة حزينة حانية ، وترقرقت في عينيه دمعة تفيض بالحزن والأسى .
وبينما كان "أيوب"- عليه السلام- حزينًا مهمومًا،
مر به رجلان ، فلم يستطيعا أن يقتربا منه لمرضه ، فقال أحدهما
للآخر :
- لو كان الله علم من " أيوب " خيرًا ما ابتلاه
بهذا !
وسمعهما " أيوب " – عليه السلام- فحزن حزنًا
شديدًا ، وتوجه إلى الله بالدعاء أن يفرج عنه ما هو فيه من ضر
وبلاء وقال : |