|
جلس "الحجاج بن يوسف الثقفي" والي "العراق" في قاعة حكمه يحيط به كبار رجال
دولته وزعماء جنده، يتبادلون الحديث ويتناقشون في أمور الدولة، ويفكرون فيما
يصلح شؤون الناس .. فدخل أحد رجال "الحجاج" وهمس في أذن "الحجاج" بشيء لم يسمعه
جلساؤه، فانقطع عن الحديث وقال بصوت قوى : أدخله على الفور.
تقدم حامل البريد برسالة وقال للحجاج : هذه رسالة عاجلة أتى بها صاحب البريد
منذ لحظات قليلة من بلاد "السند"، فأمسك "الحجاج" بالرسالة، وراح يقرؤها، وما
كاد ينتهي من قراءتها حتى هب واقفًا في غضب، فانزعج الحاضرون، وقال أحدهم :
أصلح الله الوالي .. ما الذي في الرسالة حتى أغضبك؟! هل حدث مكروه للخليفة
"الوليد بن عبد الملك"؟ هل اعتدى أحد من أعدائنا على جزء من أراضى الدولة ؟
سكت الحجاج للحظات ثم انفجر في ثورة غاضبة .. وأخذ يحكى لهم ما في الرسالة
قائلاً : بعث إلينا ملك جزيرة "سرى لانكا" بسفن محملة بالهدايا، وكان عليها بعض
النساء المسلمات، وفى الطريق هجم عليها قراصنة من مدينة "الدَّيْبُل" (ميناء
عند مصب نهر السند بباكستان) ونهبوا ما فيها من هدايا وأخذوا المسلمات أسرى .
ولما هدأ "الحجاج" كتب رسالة إلى "داهر" ملك "السند" يطلب منه أن يطلق سراح
المسلمات الأسيرات، لكن ملك "السند" عجز عن استرداد الأسيرات، وبعث إلى
"الحجاج" يخبره بذلك ويقول له : إن الأسيرات في أيدي لصوص أقوياء، لا أقدر على
استخلاصهن من أيديهم،
ولم يقتنع "الحجاج" برد ملك "السند"، وعزم على تأديب هؤلاء القراصنة، وإعادة
الهيبة للمسلمين، وبعث بحملة عسكرية لقتال هؤلاء القراصنة، لكنها لقيت هزيمة
شديدة على أرض "السند"، فأرسل بحملة أخرى، لكنها فشلت في تأدية مهمتها .
أدرك "الحجاج" بذكائه بعد فشل حملاته الصغيرة على أرض "السند" أن الأمر يحتاج
إلى تفكير وتخطيط؛ حتى لا يستهين الأعداء بهيبة الدولة، فعزم على إرسال جيش
كبير يفتح بلاد "السند"، وينشر الإسلام فيها، ويخلص أهلها من ظلم الحكام
الظالمين، وفى الوقت نفسه يؤمن
حدود الدولة الإسلامية، وطرق التجارة، فأرسل إلى الخليفة الأموي في "دمشق"
"الوليد بن عبد الملك" يستأذنه في تجهيز هذا الجيش... و استغرق "الحجاج" شهورًا
في إعداد الجيش، وإمداده بآلاف الجند من ذوى الخبرة والشجاعة، وزودهم بأقوى
الأسلحة، والمؤن والأطعمة التي تكفيهم في حملتهم .
وبعد أن أتم تجهيز الجيش بدأ يفكر في اختيار قائد لهذه الحملة، وراح يستعرض
أسماء القادة الذين تحت يديه، حتى يختار من بينهم واحدًا يصلح لهذه المهمة، ثم
استقر اختياره على ابن عمه "محمد بن القاسم" وكان نجمه قد بدأ في الصعود على
الرغم من أن سنه لم تتجاوز العشرين ، فقد عرف بالقوة والشجاعة والمهارة في وضع
الخطط العسكرية، ومتابعة تنفيذها، والقدرة على قيادة الجند نحو النصر، والصبر
في القتال والثبات في ميادين القتال، وسرت أنباء اختيار "محمد بن القاسم"
لقيادة الحملة، فاستبشر الجند خيرًا، وازدادت الثقة بنصر الله واطمأنوا إلى
تحقيق النصر، وراح القائد الشاب يراجع استعدادات جيشه، ويضع الخطط العسكرية،
ويدرس عدوه، ويعرف مواطن القوة فيه والضعف، حتى إذا اطمأن أن كل شيء على ما
يرام أمر جنده بالرحيل .
انطلق الجيش نحو هدفه يرج الأرض رجًّا، وتتعالى في السماء صيحات التكبير حتى
وصل إلى "مكران" فاستراح بها الجند عدة أيام، وبدأ القائد الشاب في تقسيم جيشه
إلى قسمين، أحدهما يسلك طريق البر، والآخر يسلك طريق البحر . |