|
قال
"أبو
بكر
الصديق":
ـ يا رسول الله، خرجت
تريد الحج،
لا تريد قتال أحد، ولا حرب أحد، فتوجه لما قدمت له، فمن صدنا عنه
قاتلناه.
فقال
النبي:
امضوا على اسم الله.
ثم أمر
من معه من المسلمين أن يسلكوا
طريقا
يخرجهم إلى
"الحديبية"، فلما بلغ
موضعًا يسمي "ثنية
المرار"
بركت ناقته،
ورفضت المسير، فتعجب المسلمون لهذا الأمر،
فأخبرهم النبي أنها مأمورة بذلك، وأن الله منعها عن دخول "مكة".
وكان المكان الذي نزل فيه المسلمون مكانا قفرا
بالقرب من "الحديبية"، لا أثر فيه للحياة، وليس فيه إلا حفرة
صغيرة لبئر قديمة فيها القليل من الماء، وكان المسلمون قد بلغ
بهم العطش مبلغا كبيرا من طول السير في تلك الصحراء المجدبة تحت
أشعة الشمس المحرقة، فأقبلوا على الماء يشربون منه حتى نفد،
فذهبوا إلى النبي يشكون إليه العطش، وطلبوا منه أن يقيم بهم في
مكان آخر يتوافر
فيه العشب والماء.
فانتزع
النبي
سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في
تلك البئر، وجلس
على
حافة
البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا الله،
ثم صبه فيها،
ثم قال: دعوها ساعة.
فإذا بالماء يتدفق منها حتى ارتوى المسلمون
جميعًا.
وفي تلك الأثناء أقبل "بديل
بن ورقاء الخزاعي"
في نفر من قومه من
بني "خزاعة"
وكانوا حلفاء
للنبي,
فأخبره
"بديل"
بما سبق أن أخبره به "بشر بن سفيان"، وقال له:
ـ إني تركت "كعب بن لؤي" و"عامر
بن لؤي" في حشد من "قريش" نزلوا عند "الحديبية", وقد خرجوا ومعهم
زوجاتهم وأطفالهم، حتى لا يفر المقاتلون إذا بدأت الحرب بينهم
وبين المسلمين , فازداد حزن النبي وتأثره لموقف "قريش" ، فهو لم
يخرج للحرب، فلما رجع "بنو خزاعة" إلى "قريش" أخبروهم بأن النبي
وأصحابه لم يخرجوا للحرب، وقالوا لهم:
ـ يا معشر "قريش"، إنكم تعجلون
على "محمد" وإنه لم يأت لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت, لكن
زعماء قريش أخذهم الكبر، وقالوا في عناد وإصرار:
ـ حتى وإن جاء لذلك فلن يدخلها علينا عنوة، حتى
لا تتحدث بذلك العرب.
لم تكن "قريش" تصدق أن النبي جاء
في هذا الحشد الكبير وهو لا يريد حربهم، فأرادت أن تتأكد من
الحقيقة، فبعثوا "مكرز بن حفص بن الأحنف"، فلما قابل النبي علم
أنه إنما يريد زيارة بيت الله الحرام، فرجع إلى "قريش" وأخبرهم
بذلك، فبعثوا إليه "الحليس بن علقمة الكناني"، فلما رآه رسول
الله طلب من أصحابه أن يخرجوا ما أحضروه معهم من الهدي ليراها
ويعلم صدق نيتهم، فلما رأى ذلك رجع إلى "قريش" فقال:
ـ يا معشر "قريش"، قد رأيت ما لا
يحل صده، الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله.
فقالوا: اجلس لا علم لك بذلك.
وبعث النبي "عثمان بن عفان" إلى
"قريش" ليخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا للبيت الحرام،
فخرج "عثمان" إلى "مكة"، فلقيه "أبان بن سعيد بن العاص" فنزل عن
دابته وحمله عليها، وأجاره حتى يبلغ رسالة النبي، وانطلق حتى أتى
"أبا سفيان" وعظماء "قريش" فبلغهم ما أرسله به النبي.
فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف
بالبيت فطف به.
فقال "عثمان": ما كنت لأفعل حتى
يطوف به رسول الله.
وظل "عثمان" في "مكة" حتى تتشاور"قريش" فيما
بينها وتحزم أمرها، فلما تأخر عن النبي والمسلمين سرت شائعة بأن
"قريشا" قتلته،
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة
على النصرة والقتال، فكانت "بيعة الرضوان" تحت الشجرة.
وبينما كان النبي والمسلمون
يتأهبون للزحف إلى "مكة"، كانت "قريش" قد حزمت أمرها، وقررت
التفاوض مع النبي، فبعثت إليه "سـهيل بن عمرو" لينوب عنهم في
التفاوض معه.
فلما رآه رسول الله مقبلا، قال:
ـ قد أراد القوم الصلح حين بعثوا
هذا الرجل.
وأقبل "سهيل" على النبي فأخبره
بنية "قريش" في الصلح، وأنهم لا يريدون أن يدخل النبي ومن معه
"مكة" في هذا العام، حتى لا تضيع هيبتهم بين القبائل، ولا يقول
الناس إن المسلمين دخلوا إليها رغمًا عن "قريش".
كان النبي يستمع إلى "سهيل" في
وقار وهدوء، دون أن يبدو عليه أي أثر للغضب، لكن المسلمين الذين
كانوا يسمعون شروط "قريش" لم يستطيعوا أن يخفوا ثورتهم وغضبهم من
شروط "قريش" الظالمة، إلا أنهم التزموا الصمت إجلالاً ومهابة
لرسول الله، وكان "عمر بن الخطاب" من أشدهم ثورة وضيقًا.
أخذ "سهيل" يقلب نظراته بين
النبي وبين جموع المسلمين المحتشدين من حوله، ثم قال:
ـ اكتب بيننا وبينك كتابًا بما
نتفق عليه.
فدعا النبي "علي بن أبي طالب"
ليدون وثيقة الصلح مع "قريش"، ولم يستطع "عمر" الصبر أكثر من ذلك
فوثب من مكانه، واقترب من النبي فقال:
ـ يا رسول الله! ألست نبي الله
حقا؟
قال النبي: بلى.
ـ ألسنا على الحق وعدونا على
الباطل؟
ـ قال النبي: بلى.
فقال "عمر" بدهشة" وهو يغالب
غضبه: فلم نعط الدنية في ديننا؟
فرد النبي في ثقة وهدوء: إني
رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري.
والتفت النبي إلى "علي" وقال له:
اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم".
فقال "سهيل": لا أعرف هذا، ولكن
اكتب باسمك اللهم!!
فقال النبي: اكتب باسمك اللهم!
هذا ما صالح عليه "محمد" رسول الله و"سهيل بن عمرو".
فقال "سهيل بن عمرو":
ـ لو شهدت أنك رسول الله لم
أقـاتلك، ولكن اكتب "محمد بن عبد الله" اسمك واسم أبيك!!
|